جيرار جهامي ، سميح دغيم

2984

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

فالذات ، أو الأنا الاجتماعية ، تنتمي دائما إلى شيء أوسع منها وأعلى ، أقدم منها وأكمل . إنها في هاجس البحث الدائم عن جذورها وأصلها . وهي تخاف على هذا الأصل الذي بدونه تبقى وحيدة ، منفردة وناقصة ، فلا تجد لها مكانا بين الجماعات لأن مكانها ، أي وجودها ، هو في الجماعة . وحتى تكون موجودة يجب أن تكون في جماعة ، أي في وحدة كلّية تشتمل عليها وتحتويها . من هنا يتولّد في الأنا الاجتماعية شعور بالانتماء إلى « نحن » اجتماعية هي أيضا بحكم واقع الحال . ( أدونيس عكره ، الإرهاب السياسي ، 153 ، 4 ) . - إن انتماء الإنسان حق لأنه حاجة عند كل إنسان اجتماعي . وعن حاجة الانتماء هذه يتولّد مفهوم الهويّة الذي يمكنه أن يرتدي أشكالا متعدّدة ومختلفة وغالبا مترادفة . فأحيانا تكون الهويّة انتماء إلى جنسية وأحيانا إلى قومية وغالبا إلى كليهما معا . وتكون الهويّة أحيانا انتماء إلى دين أو طائفة أو عقيدة أو إلى وطن أو أرض أو طبقة . ولكن في جميع الأحوال لا تكون الهوية عنصرا كماليّا يتمتّع به الإنسان في حال توفّره ، بل هي دائما منطلق لأفعاله وهدف لها . إنها مبرّر لوجوده الجماعي . وعندما تتهدّد الهويّة يتهدّد معها كل فرد ينتمي إليها . فلا يسعه عند ذلك إلّا أن يهبّ للدفاع عنها بجميع الوسائل دون أن يفرّق بين ما هو عنيف أو من طبيعة أخرى . ( أدونيس عكره ، الإرهاب السياسي ، 155 ، 20 ) . - إن الهويّة هي انتماء . وقد يتمظهر هذا الانتماء ويتعيّن بوطن أو بدين أو بطبقة أو بقومية أو بعقيدة . . . إلّا أنّ الهويّة التي هذا شأنها ليست معطى ثابتا وجامدا ونهائيّا ينبجس بتمامه مرة واحدة في تاريخ جماعة معيّنة ، ويستمرّ على ما هو طالما تستمرّ الجماعة في الوجود . هناك بالطبع عناصر رئيسية تشكّل الإطار الرئيسي الذي تتعيّن بواسطته الهوية وتستقلّ عن غيرها من الهويات ، ولكن ذلك لا يعدو كونه إطارا تنمو وتتطوّر ضمنه الجماعة التي تنتمي إلى تلك الهويّة ، وضمن هذا الإطار تطمح الجماعة إلى مثلها العليا ، وترسم لنفسها حدود حرّيتها ومعالم حاضرها ومستقبلها ، وتنشئ مؤسّساتها ، وتنتج وتبدع وتعاني وتشارك في صنع الحضارة . ( أدونيس عكره ، الإرهاب السياسي ، 156 ، 3 ) . - الهويّة عبارة عن تلك القيم المطلقة ، التي تحتاج إلى جهد إنساني متواصل ، لتحويلها إلى حقائق اجتماعية وحضارية . لذلك فإن الهويّة باعتبارها قيما مطلقة ، ليست حلّا سحريّا لمشكلات العالم العربي والإسلامي . وإنما هي بمثابة الوعاء الضروري ، الذي ينبغي أن تنطلق منه الاجتهادات والجهود ، من أجل ترجمة هذه القيم المطلقة والخالدة ، والتي نصطلح على تسميتها ب ( الهويّة ) إلى وقائع وحقائق وبرامج تعالج مشكلات الإنسان ، وتجيب على تساؤلاته وإشكالياته المعاصرة . فلا يكفي أن نرفع لواء الهويّة ، حتى نحقّق تطلّعات الإنسان العربي المعاصر ، وإنما نحن بحاجة إلى اجتهاد حكيم ومعرفة عميقة ، ووعي وإرادة